خص الله العشر من ذي الحجة بمزايا عديدة، ومن رحمة الله سبحانه وسعة فضله أنه بعد أن خصَّ هذه الأيام بهذه المزايا العظيمة وهذه الفضائل الكريمة عاد فخص من ضمن هذه الأيام يوما عظيما، فزاد في مضاعفة الأجر فيه، وزاده شرفا ومكانة وبركة، هذا اليوم هو يوم عرفة.فهو يوم من أفضل أيام السنة، من علم حقا ما في هذا اليوم من فضل وبركة وخير عميم لم يتركه يمر دون أن يحقق فيه إنابة وتوبة واجتهادا في طاعة الله سبحانه وعبادته، يقول: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا أو أمة من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ماذا أراد هؤلاء)) أخرجه مسلم عن عائشة. لكم هي فرحتنا اليوم عظيمة، وسرورنا اليوم كبير وسعادتنا بالغة، إذ جمع الله لنا في هذا اليوم بين عيدين عيد الأسبوع (يوم الجمعة) وعيد الحجيج بعرفات اليوم كما قال ذلك النبي : ((يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام)) أما فضائل يوم عرفة فمنها : * أنه يوم مغفرة الذنوب و التجاوز عنها ، و العتق من النار و المباهاة بأهل الموقف ، كما في صحيح مسلم " عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه و سلم قال "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة ، و إنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول : ما أراد هؤلاء ؟ . و في المسند عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" إن الله يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول : انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً" و خرج فيه أيضاً من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال " ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ، ينزل الله تبارك و تعالى إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول : انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً ضاحين جاؤوا من كل فج عميق يرجون رحمتي و لم يروا عذابي ، فلم ير أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة " وروي أنه يقول أشهدكم أني قد غفرت لهم فتقول الملائكة : يا رب فلان مرهق فيقول : قد غفرت لهم . فما من يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة " وفي رواية أشهدكم يا عبادي أني قد غفرت لمحسنهم و تجاوزت عن مسيئهم " وعن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : يهبط الله إلى السماء الدنيا عشية عرفة ثم يباهي بكم الملائكة فيقول : هؤلاء عبادي جاؤوني شعثاً من كل فج عميق يرجون رحمتي و مغفرتي ، فلو كانت ذنوبهم كعدد الرمل لغفرتها ، أفيضوا عبادي مغفوراً لكم و لمن شفعتم فيه " و خرجه الطبراني و غيره من حديث عبد الله بن العاص عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : إن الله عز و جل يدنو إلى السماء الدنيا عشية فيقبل على ملائكته فيقول : ألا إن لكل وفد جائزة و هؤلاء وفدي شعثاً غبراً أعطوهم ما سألوا و اخلفوا لهم ما أنفقوا حتى إذا كان عند غروب الشمس أقبل عليهم فقال : ألا إني قد وهبت مسيئكم لمحسنكم ، و أعطيت محسنكم ما سأل ، أفيضوا بسم الله " و خرج مالك في الموطأ " أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر و لا أدحر و لا أحقر و لا أغيظ منه يوم عرفة ، و ما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة ، و تجاوز الله عن الذنوب العظام " حديث عباس بن مرداس الذي خرجه أحمد و ابن ماجه في دعاء النبي صلى الله عليه و سلم لأمته عشية عرفة ثم بالمزدلفة فأجيب فضحك و قال : إن إبليس حين علم أن الله قد غفر لأمتي و استجاب دعائي ، أهوى يحثي التراب على رأسه و يدعو بالويل و الثبور فضحكت من الخبيث من جزعه ومن فضائل يوم عرفة أن صيامه يكفر سنتين : فقد ورد عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (يكفر السنة الماضية والسنة القابلة) [رواه مسلم] وهذا إنما يتسحب لغير الحجاج، أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفه؛ لأن النبي ترك صومه، وروي عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. ومن فضائل يوم عرفة أن الله قد أقسم به: ومن المعلوم أن العظيم لا يقسم إلا بعظيم، وعلى أمر عظيم، قال الله - تعالى-: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} قال ابن عباس - رضي الله عنه -: "الوتر يوم عرفة، والشفع يوم الذبح"، وهو قول عكرمة والضحاك، وهو اليوم المشهود الذي قال الله فيه: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } ، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - -: ( اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه؛ فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ من شر إلا أعاذه الله منه)رواه الترمذي. ومن فضائله أيضا أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة : ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرءونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: أي آية؟ قال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) قال عمر: فد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي : وهو قائم بعرفة يوم الجمعة. ومنه أنه اليوم الذي أخذ الله فيه الميثاق على ذرية آدم : فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان ـ يعني عرفة ـ وأخرج من صلبة كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا، قال: (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون) [رواه أحمد وصححه الألباني]. أما عن كيفية الفوز بجائزة يوم عرفة فمن طمع في العتق من النار و مغفرة ذنوبه في يوم عرفة فليحافظ على الأسباب التى يرجى بها العتق و المغفرة : ومنها : صيام ذلك اليوم ففي صحيح مسلم عن أبي قتادة عن النبي قال : صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله و التي بعده. و منها : حفظ جوراحه عن المحرمات في ذاك اليوم ، ففي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس عن النبي أنه قال : ( يوم عرفة هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره و لسانه غفر له . و منها : الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص و صدق فإنها أصل دين الإسلام الذي أكلمه الله تعالى في ذلك اليوم و أساسه . و في المسند عن عبد الله بن عمر قال : كان أكثر دعاء النبي يوم عرفة : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك ، و له الحمد بيده الخير ، و هو على كل شيء قدير ) ، و خرجه الترمذي و لفظه : ( خير الدعاء دعاء يوم عرفة ، و خير ما قلت أنا و النبيون من قلبي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، و له الحمد و هو على كل شيء قدير و خرج الإمام أحمد من حديث الزبير بن العوام قال سمعت رسول الله و هو بعرفة يقرأ هذه الآية " شهد الله أنه لا إله إلا هو و الملائكة و أولو العلم } .. الآية و يقول : ( و أنا على ذلك من الشاهدين ، يا رب. و منها : كثرة الدعاء بالمغفرة و العتق فإنه يرجى إجابة الدعاء فيه . روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال : ليس في الأرض يوم إلا لله فيه عتقاء من النار ، و ليس يوم أكثر فيه عتقاً للرقاب من يوم عرفة فأكثر فيه أن تقول : اللهم أعتق رقبتي من النار ، و أوسع لي من الرزق الحلال و اصرف عني فسقة الجن و الإنس فإنه عامة دعائي اليوم. و ليحذر من الذنوب التي تمنع المغفرة فيه و العتق : ومنها: الاختيال . فقدروي من حديث جابر عن النبي قال : " ما يري يوم أكثر عتيقاً ، و لا عتيقة من يوم عرفة لا يغفر الله فيه لمختال ) و خرجه البزار و الطبراني و غيرهما . و المختال هو المتعاظم في نفسه المتكبر . ومنها:الشحناء والحسد والبغضاء عن أبي هريرة:أن رسول الله قال: " تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين، ويوم الخميس. فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا. إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء. فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا " صحيح مسلم . ثم يلي يوم عرفة ، يوم الفرح بطاعة الله تعالى، يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، يكمل المسلمون حجهم الذي هو الركن الخامس من أركان الإسلام بعدما وقفوا بعرفة، وأدوا الركن الأعظم من أركان الحج، وحصلوا على العتق من النار، فصار هذا اليوم الذي يلي يوم عرفة عيدا لأهل الإسلام جميعا لاشتراكهم في رحمة الله تعالى، وشرع لهم فيه ذبح القرابين من هدي وأضاح. سئل النبي : أي الأعمال أفضل؟ قال: ((العج والثج))، والعج هو رفع الصوت في التلبية، والثج هو سيلان دم الهدي والأضاحي فالواجب عليك عزيزي القارئ شهود صلاة العيد مع المسلمين والتكبير من فجر يوم التاسع إلى آخر أيام التشريق، ولتأتي من طريق وترجع من آخر وتتجمل بأبهى زينة وأفضل حلة ولا تأكل شيئاً قبل الصلاة حتى ترجع بعد الصلاة والخطبة، فتذبح الأضحية وتأكل منها كما هي السنة المصطفى ، وتجنب في اختيار الأضحية العوراء والعرجاء والمريضة والهزيلة والعضباء والهتماء، وأفضلها أكرمها وأسمنها وأغلاها ثمناً وقم بذبحها بنفسك، وإذا وكلت أحداً غيرك فلا بأس بذلك، وأرفق بالأضحية عند ذبحها، فلا تحد السكين أمامها، ومكنها من الأكل والشرب قبل ذلك، وحدّ شفرتك قبل ذبحها، ولا تذبح واحدة بحضرة الأخرى، ويجب عند ذبحها قطع المريء والحلقوم وأحد العرقين اللذين في العنق أو كليهما. واختم بالرأي الفقهي في حكم صيام يوم عرفة إذا كان يوم جمعة فقد قال العلماء إذا وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء يوم جمعة جاز إفراده بالصوم، والنهي الوارد عن إفراد صوم يوم الجمعة بدون سبب ولكونه يوم جمعة، أي تعظيماً له أو ما شابه ذلك، أما من صامه لأمر آخر رغب فيه الشرع وحث عليه فليس بممنوع، بل مشروع ولو أفرده بالصوم، ولو صام يوماً قبله بالنسبة ليوم عرفة كان أفضل، ، أما صيام يوم بعده فلا يمكن لأن اليوم الذي بعده يوم عيد النحر وهو محرم صيامه لجميع المسلمين حجاجاً كانوا أم غير حجاج لحديث أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله : "" نهى عن صوم يومين : يوم الفطر ويوم النحر " [ متفق عليه ]، وروى أبو عبيد مولى ابن الأزهر قال : " شهدت العيد مع عمر بن الخطاب، فجاء فصلى، ثم انصرف فخطب الناس، فقال : إن هذين يومين نهى رسول الله عن صيامهما ؟ يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم " [ رواه البخاري ومسلم ] |