منتديات الدرب :: للحوار الهادف

 
       

       
عروض جديدة
حماية شاملة من AVG


عـودة للخلف   منتديات الدرب :: للحوار الهادف المنتديات الأدبية منتدى النثر والقصص
التسجيل المساعدة القوانين قائمة الأعضاء التقويم تعليم الأقسام كمقروءة

الرد على الموضوع اضف موضوع جديد
 
LinkBack خيارات الموضوع طريقة العرض
قديم 26-06-2008, 12:25 PM   #1
وكيل رقيب
 
تاريخ التسجيل: Jun 2008
المدينة: حلب
مشاركة: 93
معصّب خداع باسم الحب

كغيري من الفتيات
..
اعتدت منذ نعومة أظفاري أن أسمع واحدة تلو الأخرى من تلك المآسي التي تشيب لها الرؤوس و تتفطر لها القلوب .. عن احتراق الزهر .. و تحطم الكأس ... و... انتحـــار العفاف ...
ثمة قصص أبكتني و آلمتني
إلا أنها كانت ( قصصًا تُروى ) ثم تُنســى ..
اليوم فقط .. نُحتَتْ قصةٌ في أعماقي .. و أظنها ستفعل ذات الأمر في أعماقكم ....
هاتفَتني صديقةٌ مخلصة اعتدتُ منها التواصل دون أن تنتظره مني ..
بدا لي صوتُها خامدًا على غير العادة .. وما لبثَت أن سألتني عن أحوالي ، ثم أخذت تحكي لي دون انتظار السؤال ...
وسأتركها تحدّثكم أيضًا ...
تقول :
كنت قبل يومين في مراجعة لمركز طبي معروف بالرياض ، سلمتُ موظفةَ الاستقبال ورقة الموعد ، و توجهتُ لاستراحة النساء بانتظار السماح لي بمقابلة الطبيبة .. و حالما دخلت ؛ وقعت عيني على فتاة عشرينية تنتحب بمرارة .. مشيحة وجهها عن بقية النساء اللواتي تركزَتْ أنظارهن عليها دون أن يقلن شيئًا ، بدا الأمر غريبًا .. ومقلقًا ..
جلستُ على أريكةٍ مجاورةٍ بعض الشيء للفتاة .. تململتُ في مكاني بضع دقائق و أنا أختلس النظر لها .. تأملتُ عباءتها.. و كفيها الحريريتين البيضاوين .. و أصغيتُ أكثر لبكائها المؤلم .. تعجبتُ حين لم أشعر من النساء المتواجدات اهتمامًا بقدر ما شعرت بالاستنكار .. و اللامبالاة .. لم أحتمل .. اقتربتُ من الفتاة أكثر .. وضعت كفي على منكبها وسألتُها :
" أتمنى أن لا يكون هناك أمر سيء يا أختي ؟ "
لم تجبني .. لكن نحيبها خفَتَ شيئًا ما دون أن يتوقف .. ترددتُ قليلا قبل أن أعيدَ سؤالي ... وأقول :
" أختي هل تحتاجين مساعدة ؟ "
و هنا التفتت إليَّ دون أن ترفعَ رأسها .. قلتُ مشجّعة :
" ثقي بي "
رفعت عينيها النجلاوان إليَّ ببطء .. و تأملتني مليًّا .. ثم أمسكت بكفي وقالت :
" تعالي معي "
و هبت واقفة ..!
ارتبكتُ و لم أجِب .. لكنها كررت طلبها و هي تمشي بضع خطوات خارج الاستراحة .. تبعتُها و أنا في حيرةٍ من أمري ، إلى أن وصلنا قسم دورات المياه الخاصة بالنساء .. كلّ هذا و هي لازالت تنتحب .. لكنها حين جلسنا على الكراسي القريبة من الدورات - لتضمن بعدها عن الرجال - ارتفع نحيبها و هي تضرب رأسها بكفَّيها و تصيح بصوتٍ بُحَّ من البكاء :
" يا رب أموت الآن .. يا رب أموت الآن "
سرَتْ رعشة في جسدي و أنا أطلب منها أن تهدّئ نفسها دون فائدة ... فتركتها تخرج ما في صدرها بعض الوقت و قلبي يتفطر ألمًا على حالها .. و حالما هدأَتْ قليلاً قالت لي بصوت متقطّع :
" لو لم تكوني ترتدين عباءةً محتشمةً ما كنتُ لأثقَ بكِ أو أحكيَ لكِ شيئًا .. هل تظنين أنني راضيةٌ عن مظهري ؟ إني أحتقر نفسي و أزدريها و كلَّ مثيلاتي ممن أحلنا العباءةَ فتنةً و تبرجًا .. إني أغبطكِ أنتِ و كلّ من قبضن على الجمر و نبذن عباءاتِ الكتف و سمون عن التفاهات التي غرقنا نحن فيها " ، و هنا غلبَتْها الدموع و عادت للنشيج .. في حين اغرورقَتْ عينيّ و احتبسَتِ الحروف في حلقي دهشةً مما أسمع .. إذ لم أكن أظن أني سأقف مثل هذا الموقف يومًا !
ذكرتُها بالله و رجوتُها أن تحدّثني بأمرها .... صمتَتْ قليلاً .. ثم أخذت تحكي بحسرة :
" قبل عامٍ من الآن ، اتصل أحدهم بهاتفي المحمول و سأل عن اسمٍ ما .. فأجبتُه بأن الرقم خاطئ و أغلقتُ الخط .. و بعد لحظاتٍ عاود الاتصال فرددتُ عليه و فوجئتُ به يُبدي إعجابَه بصوتي .. أغلقتُ الهاتف بسرعةٍ دون أن أقول شيئًا .. و حين اتصل للمرة الثالثة لم أرد عليه و تركتُه يكرر الاتصال عدة مرات حتى توقف .. فظننته ملَّ أو يئس ، لكنه لم يلبث أن أغرق هاتفي بعشرات الرسائل الغرامية !.. في اليوم التالي جاءتني عدة مكالمات منه و لم أرد .. و هكذا حدث في اليوم الثالث .. دون أن تنقطع الرسائل .. و دون أن أُبقي منها شيئًا خشيةَ أن تراها أمي أو أحد إخوتي .. وعند النوم كنتُ أغلق الهاتف لئلاَّ يزعجني باتصالاتِه و ليعلمَ أنه لا أمل فيّ ، لكنه لم ييأس أبدًا ..
قررت أن أوقفَه عند حده .. فرددتُ عليه و سألته عما يريده مني فقال :
" صوتكِ ساحر و لم أستطع مقاومته .. أنا لا أستحق قسوتكِ "
رددت عليه : "أنت تافه .. إن لم تكفّ عن هذه التصرفات فأقسم لك أني سأخبر والدي و إخوتي و سيعرفون اسمك و ترى منهم ما لا تنساه ما حييت "
قال : " لكني أعرفكِ .. و أعرف اسمكِ و اسم أبيكِ و اسم أمك و لقبكِ .. بل و أعرف عنوان منزلكم .. هل تريدينني أن أحضر الآن ؟ "
ارتعدَتْ فرائصي وصرختُ به :
" أنت كاذب و حقير "
قال : " ألستِ ( رؤى ) و والدكِ ( فلان الفلاني ) وأمكِ من ( آل فلان ) و منزلكم يقع في حي ( ... ) في شارع ( ... ) بالقرب من ( ... ) و شكله كذا و كذا ؟ "
و هنا لم أعد أصدّق ما أسمع و أخذتُ أصرخ :
" أنت قذر حقير .. كيف عرفتني ؟ و ماذا تريد مني ؟ هل ستقذفني بهتانًا ؟ فلتفعل .. أنا لم أرتكب ما أخشى منه حتى لو افتريت علي .. لن تخيفَني "
ردَّ بهدوء : " و من قال أني أريد أن أُلحق بك ضررًا أو أفتري عليك ؟! .. لقد جمعتُ هذه المعلومات عنك لأنني أهتم بك فقط "
قلت له و أنا أرتعد : " ومن أين لك بها ؟ "
قال : " أخذتُها من شاب من أقاربكم حدثني عن جمالك وفتنتك فأصرّيتُ أن أتعرف عليكِ "
صحتُ به : " و الآن .. ماذا تريد مني ؟ "
قال : " لا شيء .. فقط لا تحرميني من سماع صوتك .. أرجوكِ "
ارتبكتُ ولم أقل شيئًا ..
فقال : " سأرسل لكِ صورتي عبر الجوال لترَي إن كانت وسامتي تليق بجمالك "
فقلت : " إياك أن تُرسِلها "
و أغلقتُ الخط .
وحالما فتحتُه في اليوم التالي وجدتُ صورةً مُرسَلة .. فوضعتُ يدي على شاشة الهاتف لأزيلَها قبل أن أراها لكن الإزالة لم تكن ممكنةً إلا عن طريق الانترنت .. فرأيتُ حين رأيتُها شابًا اجتمعت فيه الوسامة و الجاذبية التي لا تُخطئها عين !! "
و هنا أزاحت محدّثتي النقابَ عن وجهها فكأنما كشفَت عن البدر ليلةَ تمامه .. آيةٌ من آيات الله في خلقه .. جمالاً و فتنةً و سحرًا .. رغم شحوبه و تبلله بالدموع التي لم تجفّ لحظة ..
استعجلتُها بقولي : " ثم ماذا ؟ "
أخذتْ تمسح دموعها وهي تقول : " ها قد عرفتِ اسمي و عرفتِ أي عائلة أنتسب لها ( عائلة ثرية ومرموقة اجتماعيا ) .. والدي رجل أعمالٍ يقيم خارجَ البلاد أكثر من داخلها .. و والدتي منشغلةٌ بزياراتها و صديقاتها .. و أنا فتاةٌ جامعيةٌ متفوقةٌ بل ( و الأولى ) على دفعتي .. و اسألي إن لم تصدّقي ! ، أخواتي صغيراتٌ و لَديَّ إخوةٌ مستقيمون .. أبواي ليسا متفلّتان دينيًّا أو مهملين لنا تمامًا .. لكنهما أهملا مراقبتنا في غمرة انشغالهما بالدّنيا ... وعوّضَانا - بئس التعويض - بسائقٍ يأخذنا حيث نريد ..و خادماتٍ يملأن البيت و يلبّين كل الطلبات .."


قلت : " إذن لمَ لم تخبري والدكِ أو أحد إخوتك بالأمر ؟ "
قالت : " لا أعلم .. خشيت أن يكون قد عرف عني أكثر مما قال فيرميني بما أنا منه براء "
ثم ارتفع نحيبها وهي تقول : " ليتني فعلت .. ليتني فعلت "
تركتُها تستردّ أنفاسها قليلا ثم تكمل حديثها :
" بعد عدة أيام بدأ صبري ينفذ .. و عزمتُ على المواجهة .. وما إن ظهر رقمه حتى رددت عليه و أسمعتُه أسوأ الكلمات و نعتّه بأحطّ النعوت حتى استهلكتُ ما في قاموسي منها ... و لم أسمع منه همسًا ! و حين صمتُّ .. قال : " انتهيتِ ؟ "
لم أجب ... فقال : " لكني ما زلت أحبك "
عندها .. ارتعش جسدي و شعرتُ بخجلٍ شديد مما تلفظتُ به .. و أغلقتُ الخط ... و بدأ قلبي يخفق .. ! و ارتخت حبالي ........!
و هكذا .. أصبحتُ أحادثه بشكلٍ شبه يومي .. حتى تعلقتُ به .. و لم أعد أطيق ابتعاده .. بل أصبحتُ أهاتفه بنفسي كلما تأخر عن مهاتفتي .. و مضى على ذلك ستة أشهر تمكن فيها من امتلاك قلبي بعذوبة حديثه و رقة مشاعره التي غمرني بها ....
و بعد الأشهر الستة .. سألني إن كان والدي سيسافر هذا الشهر .. فأجبته بالإيجاب .. فقال : " أريد أن أقابلك "
صُدمت .. و رددتُ عليه بالرفض القاطع .. لكنه أصرّ متعللاً بأن الأشهر الستة كافية لأمنحه الثقة و الحبّ غير المشروط ... احترتُ في أمري و لم أدرِ ما أفعل و تملكني الخوف و القلق ... و تحت الإلحاح .. و سهولة الطريق !.. رضختُ لطلبه ..
كنت في أقصى حالات الخوف و التوتر .. طلبتُ من السائق أن يوصلَني إلى أحد الطّرق العامَّة المعروفة - حسب اتفاقي مع ( رائد ) - ثم طلبتُ منه العودة للبيت على أن يعود لي بعد ساعتين في المكان نفسه .. و هنا رأيتُ سيارته متوقفةً في مكانٍ غير بعيد .. فتسمرتُ في مكاني رهبة .. و لم أستطع التقدّم خطوة .. و فجأة .. رأيتُه ينزل من السيارة و يتوجه نحوي .. أخذتُ أرتعدُ بشدة كلما اقترب مني أكثر .. و حين وقف أمامي و شعر برعبي .. أخذ كفي بين كفيه و وضعها على صدره و هو يهمس : " لا ينبغي أن تشعري بالخوف و أنتِ معي "
دَبَّ الاطمئنان في عروقي و سرتُ بجانبه حتى وصلنا السيارة ... تجوَّلْنا مدة ساعتين ثم أعادني للمكان الذي اتفقنا عليه متخفيًا عن سيارتنا .. ودعتُه و توجهتُ حيث يقف السائق .. وعدتُ معه للمنزل ..
دخلتُ البيت و أنا مشدودة الأعصاب .. مترقبةً متوجّسة .. لكني تنفسْتُ الصعداء حين عرفْتُ أن أمي لم تعد بعد من زيارتِها .. و زالت من حينها تلك الرهبة التي تملكَتْني في الساعات السابقة .. و أيقنتُ أن الأمر ليس عسيرًا مثلما تصوّرت ! و أني حشدتُ خوفًا في نفسي أكثر مما ينبغي!
و هكذا .. أصبحت أخرج معه كل أسبوعين أو ثلاث أو شهر على الأكثر .. نتجول في الطرقات بالسيارة فقط و نتبادل أحاديث الهوى .. و حتى هذا الوقت لم أكن قد كشفتُ له عن وجهي بعد .. حتى طلب هو مني ذلك بعد عدة أشهر ففعلت و ليتني لم أفعل .. رأيتُ نظراتِ الذهول و نظراتٍ أخرى لم أفهمها في عينيه .. و شعرتُ بعدها أنه حريص على الخروج معي أكثر من ذي قبل ..
ثم تطور الأمر و أصبحنا نرتاد المطاعم! و نقضي وقتًا أطول ! و عندما كنت أعود للبيت متأخرة و تسألني أمي - متشككة - عن المكان الذي كنت فيه .. أقول لها : " كنت عند صديقتي فلانة " و في كل مرة أذكر لها اسمًا .. ثم أقول بثقة : " اتصلي بها و اسأليها " فتطمئن أمي و تكتفي بذلك !
في هذه اللحظة مرت إحدى الممرضات بالقرب منا .. فأمسكَتْ مُحدّثتي عن الكلام و هي تداري شهقاتها و دموعها التي تُلين الصخر .. رغم علمها بأن الممرضة لن تفهم حديثَها .. شعرتُ حينها بحجم الندم والخجل و الهوان المسيطر على كيانها .. و شعرتُ بغصةٍ في حلقي أبت إلا أن تسيل دموعًا حارةً من عينيّ ..
ثم عادت ( رؤى ) تقول :
" ستة أشهر أخرى انقضتْ على خروجي معه كلما سافر أبي و خرجَتْ أمي لحفلةٍ أو زيارةٍ دون أن يعلما شيئًا عن أمري .. لكنه قبل أربعةِ أيام أخذني إلى طريقٍ ناءٍ و موحِش .. استبدَّ بيَ الخوف وسألتُه :
" لِمَ تسلك هذا الطريق ؟ "
قال : " توجد استراحةٌ قريبةٌ من هنا .. سنقضي فيها بعض الوقت ثم أعيدكِ "
قلت : " أريد العودة الآن "
قال : " ستعجبكِ كثيرًا "
سيطر الفزع على مشاعري حين توقفَتِ السيارة أمام استراحةٍ راقيةٍ و كبيرةٍ جدًّا .. لم يكن أمامها سوى سيارتين ..
ترجَّل ( رائد ) من السيارة .. لكني لم أتحرَّك .. نظر إلي من نافذته وهو يقول :
" هيا .. سترين كيف هي أجمل بكثير من الداخل .. "
قلت له : " أعدني إلى المنزل "
قال : " ستعودين بعد أن تتجولي فيها و نتناول عشاءنا سوية "
قلت : " إن لم تُعدني الآن سأهرب "
قال : " مجنونة .. سيُفتَضح أمرك ! "
كانت هذه الكلمة هي الطعنة التي قضَت على بقايا مُقاومتي .. فصمتّ وأطرقت رأسي ..
توجّه ناحية بابي .. و فتحَه .. اقترب مني و هو يقول :
" حياتي .. أنا لا أريد منك شيئًا سوى أن تكوني لي .. أنا لست كأولئك البهائم الذين يغرّرون بالفتاة حتى يسلبوها عفَّتَها ثم يُلقونَها و يتركونها وحيدةً تُصارع عارها .. أنا أحببتكِ و لن أسمح لأحدٍ أن يؤذيك فكيف أؤذيكِ أنا ؟ "
ثم وضع كفه على خدي وهو يقول : " هيا حبيبتي .. دعينا نستمتع الآن قبل أن يدركنا الوقت ..."
نزلتُ من السيارة بعد أن شعرت بشيءٍ من الاطمئنان .. لكني توقفتُ في منتصف الطريق .. و قلت له :
" توجد سيارتان هنا "
قال : " الاستراحة كبيرة جدًّا كما ترين و أنا و رفاقي استأجرنا جزءًا منها .. و هذه السيارتان لـ " شلّة " أخرى لا علاقة لها بنا "
دخلنا الاستراحة .. فهالني ما رأيت .. مساحاتٌ شاسعةٌ مغطاةٌ بالعشب الأخضر و محاطةٌ بأروع ألوان الزهور .. و أشجارٌ مشذبةٌ بعنايةٍ تحيط بالحوائط المُضاءة بأناقة .. و برك مياهٍ مذهلةٍ تنتشر هنا و هناك .. ومبانٍ غايةٌ في الفخامة .. و نوافيرٌ بتصاميمَ بديعةٍ تُضفي على المكان راحةً و عذوبة .. إلا أني لم أشعر بالراحة ..
توجَّه ( رائد ) نحو إحدى الغرف و أخرج مفتاحًا من جيبه وفتح به الباب ثم قال: " تفضلي "
خفق قلبي بشدّة وقلت : " أعطني المفتاح ! "
ارتسمَ الضّيق على ملامحه وقال :
" أنتِ لا تثقين بي ! "
قلت بإصرار : " أعطني المفتاح "
قال : " لك ذلك "
أخذتُ المفتاح و وضعتُه في حقيبتي و دخلتُ معه ..
كانت الغرفة أنيقةً و قليلةَ الأثاث .. جلستُ على أريكةٍ وثيرة .. و نظرتُ إلى ( رائد ) نظرةَ المحبّ لحبيبه ..
الآن .. استحال ذلك الشاب الوسيم شيطانًا مريدًا ....
فزعتُ من نظراتِه .. تراجعتُ للخلف و أنا أحتضن حقيبتي .. اقترب مني وهو يقول بصوتٍ كالفحيح :" انزعي ثيابك "


صرختُ فزعًا و أخذتُ أبكي و أقول باستعطاف :
" رائد .. لن تفعل .. أنت لن تؤذيني "
ابتسم بسخرية و هو ينتزع الحقيبة من بين يدي و يخرج المفتاح و يُغلق الباب و يُلقي هاتفي المحمول على الأرض بعنف .. زاد صراخي و استعطافي له .. و زاد هو خبثًا و خسةً و دناءة .. اقترب مني وصاح في وجهي :
" كفي عن الصراخ .. لن يسمعك أحد هنا حتى لو بقيتِ تصرخين شهرًا كاملاً "
لم أعد أصدّق ما يحدث شعرتُ بالأرض من تحتي تدور .. أظلمتُ الدنيا في عينيّ .. أخذتُ يده أقبّلها و أبكي و أستجدي :
" رائد أنا أمامي مستقبلٌ و لديَّ أهل طيّبو الذَّكر و إخوة و أخوات .. رائد أقبّل رأسك و قدميك دعني أعود للبيت .. لا تدمّر حياتي .. لا تضيّع شرفي .. رائد أنا منحتك الثقة لا تدمّرني .. "
كان ينظر إلي باشمئزاز .. ثم صفعَني بقوله :
" فتاةٌ تخرج مع شابّ .. ماذا تريد ؟! "
صدمتُ من هولِ ما أسمع .. و أخذتُ أرتعش و أبكي بحسرة .. قال مُتوعّدًا :
" إن لم تستجيبي لي ستندمين ما حييتِ "
جثوتُ على ركبتي و زاد بكائي و نواحي .. لم أكن أتصوَّر أن يقابل منظري المؤلم و دموعي الحارة و شهقاتي العالية بتلك الوضاعة .. حين قال :
" في الغرف المجاورة يوجد شبابٌ آخرون .. لن يرفضوا مشاركتي في الوليمة إن لم تستسلمي لي "
لم أعد أحتمل المزيد .. زاغ بصري .. و شعرتُ باختناق شديد .. و غرقتُ في دموعي و أنا أدعو الله أن يغفر لي و أن يرحمني و ينقذني .. فقد أيقنتُ أني أجني ثمرةَ ذنوبي و أن ساعة عقابي قد دنت .. و زاد تضرعي و ابتهالي لله .. و ذلك البهيمة ينظر إلي بخبثٍ و يبتسم بسخرية تقتلني و تعذبني ..
اقترب مني فنهضتُ بصعوبةٍ و فررتُ إلى إحدى الزوايا .. كان يتسلى بتعذيبي و هو يلاحقني من زاويةٍ إلى أخرى .. ليستنزِفَ بقايا قوتي وطاقتي ...
حتى انتهى كل شيء ....... "
وهنا ارتفع النحيبُ و اختلطَتْ دموع محدّثتي بدموعي .. كانت ترتعشُ بعنفٍ و تتأوّه بحرقة ..
ضممتُها إلى صدري و أنا أسترجع و أحوقل .... كان بكاؤها مبحوحًا ينطق بحجم القهر و المأساة .. حتى بلَّلَتْ كتفي بدموعها و أذابت فؤادي بمرارة نحيبها ..
" لم أصدق .. ما حدث .... أخذت أصرخ كالمجنونة و أبكي كطفل مجروح .. و أين الجراح من جرحي ؟ و أين النواح من نواحي ؟ ألقى ثيابي على وجهي و قال باحتقار :
" ارتديها و اتبعيني للسيارة "
لملمتُ القطع المتناثرة .. لكني لم أستطع لملمة عفافي و عزتي المراقة .. ركبتُ السيارة و أنا أنحني على ركبتيّ وأصرخ فيه بأبشع الألفاظ و أدعو عليه بكل لعنةٍ و غضبٍ وعذاب ..
وكان هو كالصخر لا يرد عليّ و لا يلتفت إليّ ..
حتى وصلتُ للبيت ..
فنزلت أجرّ أذيال عاري بقدمين لا تقويان على حملي .. بلغتُ غرفتي بصعوبة شديدة ..و أغلقتُ بابها و ارتميتُ خلفَه أبكي و أدعو الله أن يغفر لي و أن ينتقم لي منه ..
و ها قد مضَتْ أربعةُ أيامٍ لم ترقأ لي فيها دمعة و لم يغمض لي فيها جفن و لم أذق فيها طعامًا و لا شرابًا .. فكرتُ بالانتحار .. لكني لم أجرؤ .. دعوتُ الله أن يقبض روحي و يريحني من هذا العذاب الذي لا ينهيه إلا الموت ... اتصلتُ بذلك الحقير ألف مرةٍ لأطلب منه أن يقتلني أو يخبر أهلي بما حدث .. أريد أن أتخلص من هذا العذاب .. أريد الموت .. لكنه لليوم الرابع .. لم يفتح هاتفه .. و لا أظنه سيُفتَح .. "
ثم أخذَتْ تشدّ شعر رأسها و هي تصيح بصوتٍ مخنوق :
" أريد أن أموت .. يا رب خذ روحي قبل أن يعرف أحد ما حدث لي "
ثم نهضَتْ واقفةً وأسندَتْ وجهها إلى الحائط وهي تنشج وترتعش ..
كفكفتُ دموعي واقتربتُ منها وأنا أقول : " ألم يشعر أهلك بشيء ؟ "
قالت : " ها أنا أتيتُ للطبيبة بعد إصرار أمي التي ملأها الخوف على حالتي دون أن تعرف شيئًا .. أتيتُ لـ " الكشف ".. رغم يقيني بأني قد فقدت أعز ما أملك .. لكني أعلل نفسي لئلا أهلك همًّا وغمًّا .. "
سألتُها بألم :
" ألم تسمعي مآسي من كنّ قبلك .. ؟ ألا تعرفين قصص الضحايا مثلك ؟! ألم تعتبري ؟ "
قالت من بين دموعها وشهقاتها :
" بلى .. سمعتُ و قرأت .. لم أكن لأتخيل نفسي في هذا الموقف أبدًا أبدًا .. لكنني خُدعتُ مثلما خُدعن .. خُدعنا بالكلام المعسول و المشاعر الزائفة و الحبّ المُدَّعى " و لم تستطع أن تكمل ....
هتفْتُ : " لِمَ لا تبلغي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ "
قالت : " فكرتُ بذلك لكنني أحجمْت .. أخشى أن يخبروا أبي كما سمعتُ في قصصٍ كثيرة "
اعترضتُ قائلة : " هذا غير صحيح .. "
قالت و هي تهزّ رأسَها : " لستُ قادرة على التفكير الآن .. سأقرّر فيما بعد "
قلت : " وماذا لو نشر ( قريبكم ) الحقير الأمر و وصل أهلك ؟ "
قالت بيأسٍ مرير : " لم يعد يهمّني شيء بعد أن فقدتُ كلَّ شيء .. لا شيء يخيفني سوى أن أظلَّ على قيد الحياة أيامًا أخرى و أن يكون أجلي بعيدًا "
كان موعد دخولنا على الطبيبة قد فات ...
نظرتُ إلى الساعة .. الوقت تأخر كثيرًا .. كنت مضطرة للخروج ..
اعتذرتُ منها بشدَّة .. قالت بأسى :
" لا بأس سأخرج أنا أيضًا وأعود للطبيبة مرة أخرى "
أطرقتُ وقلت : " أعانكِ الله "
شعرتُ برغبتها في قول شيءٍ ما .. نظرتُ إليها مشجّعة فقالت :
" هل أنت متزوجة ؟ "
قلت : " نعم "
قالت : " هذه نعمةٌ لن تستطيعي أداء شكرها .. لو كنتُ متزوجةً لما حدث لي ما حدث و لما استجبتُ له من البداية .. احمدي الله " و انخرطَتْ في البكاء ...
ضممتُها إلى صدري المحترق .. أوصيتُها بالتوبة و التقرّب إلى الله .. و دعوتُ لها بالستر و المغفرة ..
ثم خرجتُ وصدى نحيبها يصمّ سمعي ويفتّت قلبي ....
تحشرج صوت صاحبتي وهي تقول :
" الآن .. أشعر أني أزحت بعض الحمل الذي أثقل كاهلي بعد أن أخبرتكِ بالقصة " .
حسين سيد غير متصل   الرد باقتباس
الكرت الشامل الكل في واحداحصل على اشتراك رابيد شير بسرعةاضغط هنا لتعرف
الرد على الموضوع


خيارات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة موضوع جديد
لا يمكنك الرد على المواضيع
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

كود vB متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح



جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة. الساعة الآن » 12:32 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.6.8 COMBO
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.1.0 ©2007, Crawlability, Inc.
كافة الحقوق محفوظة لشبكة الدرب © 2001-2008

 

جميع الموضوعات والآراء تعبر عن رأي صاحبها فقط ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

Google
منتدى الدرب
شبكة الدرب شبكة الإنترنت